الدرس الخامس
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره، السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك لعن أمة قتلتكم ولعن الله أمة ظلمتكم.
في الدرس الماضي أشرنا أن الثقافة هي مجموعة المعارف التي لها دور في معنويات الإنسان، وبالتالي لها دور في سلوكه، ولو أردنا أن نرسم رسما بيانيا لجعلنا المعرفة أولاً، ثم يمتد منها الأثر المعنوي، ومنه يمتد السلوك والعمل، وقلنا إن الثقافة لا تقاس بالكم وإنما تقاس بما لها من تأثير، وأشرنا أن الثقافة حاكمة ورائدة وأخرى محكومة وتابعة.
حديثنا اليوم في البحث عن كربلاء وثقافتها بنحو من التفصيل والعمق، من أهم الأسئلة أو المنطلقات التي نطرحها ما هو موقع ثقافة كربلاء، وما هو موقع قضية كربلاء في تركيبة الثقافة الإسلامية.
واقعة كربلاء جرت في فترة معينة من التاريخ وأعطت معطيات ثقافية معينة، وفي تسلسل تركيبتنا الدينية هناك معارف أساسية ضرورية وهناك معارف ثانوية وإكمالية، فما تصنيف ثقافة كربلاء في الشخصية الإسلامية؟للإجابة نسأل كربلاء صناعة من؟
صناع كربلاء:
من صنع كربلاء، ومن قام برسم ساحة الصراع في كربلاء وحدد الأهداف والغايات والصور والمعاني للأعداء والأولياء الجواب البديهي المتبادر الإمام الحسين الإمام الحسين، لكن لنتوقف قليلًا للبحث، فالمسألة لها أصل أبعد.
الذي صنع كربلاء في الأساس والذي كان يراها بعينيه هو الرسول صلىالله عليه وآله
، حينما حمل هذه الرسالة السماوية وتقبل التكليف الإلهي بأعمق تصور فكري وروحي عرفته البشرية، وبدأ بمجتمع جاهلي يعيش في دركات الجهل والظلم والتجبر والقبلية والجاهلية، حينما حمل تلك المعاني كان يصنع كربلاء، وكان يعلم علم اليقين بأن تحمل تلك المسؤولية له تبعات، حينما كان يقاتل العرب بمختلف أجناسهم ليقولوا لا إله إلا الله، وليحملهم هذه الرسالة الخاتمة، كانت خطوط كربلاء ترسم بيد المصطفى صلىالله عليه وآله
، كان يعلم أنه لاستخراج الحق والعدل والإيمان والخشوع لله والطاعة له من بين هذه الأمة التي تشبعت بروح الضعف والبعد عن الله والقبلية والظلم كان لابد من حركة كربلاء، فكربلاء لم تكن صدفة تاريخية.
الأمور لا تجري على نحو الصدفة، أن يكون فلان الخليفة الأول ثم الثاني ليس صدفة، نحن حيث لا ندرك أبعاد التركيبة للنفس الإنسانية نتصور أن الظروف التاريخية والصدف جّرت على هذه الواقعة، أما الرسول صلىالله عليه وآله
الذي كان يبصر بنور الله فكان يعلم علم اليقين بأن هناك من سوف يدفع لهذه الحركة كل وجوده، وأن هذا الدافع والمُضحي لا يمكن أن يكون أحدًا غير ابن بنته وفلذة كبده.
الصانع الثاني لكربلاء أمير المؤمنين عليه السلام ، حينما كان يخرج في وجه كل القبائل العربية شاهرا سيفه ليقتل فرسانها ورؤسائها كان يعلم بنتائج ذلك العمل، والصانع الثالث فاطمة الزهراء لما خرجت سلام الله عليها لمسجد الرسول صلىالله عليه وآله
ووقفت في وجه الانحراف والظلم، والرابع الحسن عليه السلام عندما صبر على حكم معاوية وفضحه بالصلح معه، فقد كان كل منهم يضع لبنة من لبنات كربلاء، كربلاء ليست قضية جرّتها خصائص في شخصية يزيد وشخصية عيبد الله بن زياد وخصائص في إباء الحسين عليه السلام كما يخطر في بال بعض المثقفين.
كانت كربلاء أمرًا حتميًا منذ اللحظة التي انطلقت فيها الدعوة، والدور الذي قام به صناع كربلاء كشف حقيقة أن الأمر سوف يصل لهذه اللحظات، ولهذا نجد أنهم صلوات الله عليهم كانوا ينظرون للحسين عليه السلام نظرة خاصة.
الرسول صلىالله عليه وآله
منذ اللحظة التي ولد فيها الحسين عليه السلام أشار لهذه الحقيقة، نحن نتصور أن مسألة ملك ينزل من السماء ويخبر الرسول صلىالله عليه وآله
مسألة بعيدة عن النظرة الواقعة والإدراك المحمدي، الرسول صلىالله عليه وآله
يحيط بأسرار الناس وحقائق الأمور وكان يرى في نظرة هؤلاء الكفرة والمنافقين العزيمة للخروج، وكان يرى إن إخرج الأمة من الظلمات إلى النور لا بد أن يمر في ساحة كربلاء، وكان يرى أن الحسين عليه السلام هو الحامل الحقيقي لتلك الشعلة، وكان يعلم علم اليقين بأن ما يقوم به يؤدي إلى نتيجة يعرفها، وتوضح زينب عليها السلام الأمر لما دخلت على الحسين عليه السلام وكان يردد تلك الأبيات وهو يصلح سيفه.
يا دَهرُ أُفٍّ لَكَ مِن خَليلِ كَم لَكَ في الإِشراقِ وَالأَصيلِ
مِن صاحِبٍ وَماجِدٍ قَتيلِ وَالدَهرُ لا يَقنَعُ بِالبَديلِ
وَالأَمرُ في ذاكَ إِلى الجَليلِ وَكُلُّ حَيٍّ سالِكُ السَبيلِ
فهمت حينها زينب عليها السلام ما كانت تدركه إدراكًا عامًا سابقًا، علمت حتمًا بأن هذا هو أوانه، فقالت يوم العاشر"اليوم مات جدي محمد المصطفى، اليوم مات أبي علي المرتضى، اليوم ماتت أمي فاطمة الزهراء، اليوم مات أخي الحسن المجتبى". (1)
الحسين نقطة المحور:
كان الحسين عليه السلام نقطة المركز والمحور الذي ظهر فيه جهاد رسول الله صلىالله عليه وآله
ورسالته وشجاعة حيدر، وعزيمة الزهراء، وصبر الحسن لأنهم كانوا في كل خطوة يضعون أسس كربلاء.
من هنا نفهم معنى فضل زيارة الحسين عليه السلام وزيارة كربلاء، عن أبي عبدالله قال:«كان الحسين بن علي عليهما السلام ذات يوم في حجر النبيّ وآلـï·؛ـه يلاعبه ويضاحكه، فقالت عائشة: يا رسول الله ما أشدّ إعجابك بهذا الصبي! فقال لها: ويلك وكيف لا أحبّه ولا أعجب به وهو ثمرة فؤادي، وقرّة عيني، أما إن أُمتي ستقتله، فمن زاره بعد وفاته كتب الله له حجّة من حججي، قالت: يا رسول الله حجة من حججك؟ قال: نعم وحجّتين من حججي، قالت: يا رسول الله حجتين من حججك! قال: نعم وأربعة، قال: فلم تزل تراده، ويزيد ويضعف حتى بلغ تسعين حجّة من حجج رسول الله صلىالله عليه وآله بأعمارها»(2).
والظاهر أنها لو بقيت تقول يا رسول الله تسعين لبقي الرسول صلىالله عليه وآله
إلى ما شاء الله، بدأنا نفهم أن وحقيقة الدين في كربلاء، ليس أن زيارة الحسين عليه السلام أفضل من الحج ولكن يمكن أن تكون مثل الصلاة بل أفضل منها وليس فقط أفضل من الحج والصلاة والصوم بل أفضل من كل عمل يتعبد به إنسان إلى الله؛ لأن الدين كله والثقافة الدينية كلها مجتمعة ومختزنة في كربلاء، صورة الدين بأبعاده كلها تحويها كربلاء، من هنا يأخذ البعد الكربلائي في الإسلام وضوحه. يتضح معنى أن يكون الإنسان واعيًا ومدركًا ومثقفًا بثقافة كربلائية، الثقافة الكربلائية ليست فقط أن نتعرف على تلك الحقائق والمآسي ونتأثر بجانبها الحزين المأساوي.
إذا أردنا أن نعرف كربلاء من الجدير بنا أن نتتبع حركة الحسين عليه السلام وحركة أصحابه وماذا كانت آثار ثقافة كربلاء في نفوسهم، ثقافة كربلاء يمكن أن نشير إليها بنوع من التقسيم لهذه الإجمالية التي ذكرناها:
جوانب ثقافة كربلاء وآثارها:
ثقافة كربلاء أول جوانبها الإمامة، لا شك أننا ندرك معنى الإمامة ونفهم دورها، حاليًا العالم الإسلامي لا يعاني من بلاء بقدر ما يعاني من فقد معنى الإمامة، فما يحل بالمسلمين من مصائب إذا تدبر الإنسان فيها لوجد أن مدارها هو فقدان القيادة الواعية الرشيدة التي تأخذ بيد هذه الأمة، وليس فقط فقدان الإمام، نحن الإمامية في زماننا الحاضر لا نملك إمام محسوس بيننا، ولكن معنى الإمامة والارتباط بالمنهج الإمامي موجود، وبه نختار أقرب الطرق وأكثرها استقامة نحو الإمامة، وهو منهج العلماء والعارفين بالله ومنهج العادلين القائمين بالحق، وهذا هو الذي يحفظ عالمنا الشيعي من التمزق، أما مع الأسف الشديد سائر أبناء العالم الإسلامي يتخبطون في هذا المجال تخبط عشوائي، فمن الواضح أن هذا الجانب الثقافي هو أكبر ثغرة يعيشها الإنسان المسلم اليوم.
الإمامة قد نأخذها ونستفيد منها على نحو أنها ركن من أركان الدين والعقيدة علينا التمسك به، وهذه مرحلة أولى وهي أساسية وضرورية ولكن على نحو آخر ودرجة أعلى الإمامة بمعنى الولاء، ولاء الروح والمحبة وليس فقط ولاء الاعتقاد والاتباع.
في كربلاء نلاحظ أن الإمامة بمعنى ولاء الروح والمحبة هي الجو والمحيط الذي يطوق جيش الحسين عليه السلام ، والرابطة التي بين الحسين عليه السلام وأصحابه من أهل بيته وأنصاره رجال ونساء وأطفال تحولت كلها إلى ركيزة للمحبة والولاء الروحي.
عجيبة أحداث كربلاء في ليلة العاشر من المحرم الحسين عليه السلام أذن لأصحابه في تركه، وكثير من القراء والخطباء يتحدثون عن معنى هذا الأذن، أنا بحسب رأيي هو أذن حقيقي شرعي بتركه عليه السلام ولم يكن أذن اختبار، وأنه اكتفى من أصحابه وأنصاره أن يبقوا معه إلى ليلة العاشر، وأقول حسب تقديري وفهمي أنهم لو تركوا الحسين عليه السلام لم يكونوا مؤاخذين.
الحسين عليه السلام استنصر الناس وأمرهم بالخروج معه، أما ليلة العاشر فقد أطلق لكل من معه العنان وأذن لهم بتركه،ولكنهم في خلال مسايرتهم للحسين عليه السلام منذ خروجه من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى تلك الصحاري، حتى حل بكربلاء يوم الثاني من المحرم، وبعضهم التحق به في الفترة الأخيرة ولكن إلى حد ليلة العاشر من المحرم كانت الإمامة بمعنى الطاعة المفترضة من الله للإمام قد استقرت في نفوسهم، ولكنها لم تكن هي العامل الوحيد الذي يبقيهم مع الحسين عليه السلام فهناك شيء آخر.
نقرأ أجوبتهم وما قالوا للحسين عليه السلام هل نفهم منه أنهم بقوا معه لأن هذا هو الواجب الرباني، يقول مسلم أبن عوسجة لما جمع الحسين عليه السلام أهل بيته وأصحابه وقال إن القوم يطلبونني وهذا الليل فاتخذوه جملًا فقام مسلم أبن عوسجه وقال: (أنحن نخلى عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك)(3)أصبح القتل مع الإمام الحسين عليه السلام ليس فريضة وإنما هو غاية لهم، وقال سعيد بن عبد الله الحنفي:( والله لو علمت إني اقتل ثم أحيا ثم احرق حيا، ثم أذر يفعل ذلك بي سبعين مره ما فارقتك )(4)ويقول مسلم بن عوسجة الأسدي (والله لو علمت انى اقتل ثم أحيى ثم احرق ثم اذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة ما تركتك)(5) لما جاء يوم كربلاء وخرج أصحاب الحسين عليه السلام واحدًا بعد آخر، خرج صبي لم يناهز الحلم كان أبوه قد قتل قبل قليل قال له الحسين عليه السلام ارجع إلى أمك لعلها لا تستطيع فراقك، علها تجد فيك خلفًا لأبيك، فقال يا أبا عبد لله أمي هي التي ألبستني لامة حربي، هذا الطفل حينما خرج قال:
حسين أميري ونعم الأمير
سرور فؤادي البشير النذير.
هذا النحو من المعرفة بالإمامة هو نحو من المحبة الذي لا يرى في الإنسان وجوده إلا المحب الموالي لإمامه،كيف وقد رأوا الحسين عليه السلام ينثر عليهم المحبة، فقد خلق جوًا من المحبة كشفه لأصحابه وكشفه لكل الأمة الإسلامية، ربما من المناسب الإشارة بأن الحسين عليه السلام في معركته وخروجه وحركته لم يتخذ الأساليب العسكرية المناسبة، فلم يخرج خروجًا عسكريًا لقائد عسكري يريد الإطاحة بيزيد ودولته، إذا كان هدف الحسين عليه السلام هو الفتك بدولة يزيد والقضاء على دولته فقد تفتت بعد يزيد وانهارت، وبلغت الحضيض في وجودها وقيمتها بعد الحسين عليه السلام وفنت دولة معاوية وقامت دولة بني مروان.
الإمام الحسين أراد أن يفتك بالظالمين من يزيد إلى قيام الساعة، لا أن يواجه يزيد فقط، أراد أن يبث في الأمة روحًا تحارب الظلم والظالمين إلى أن تُسلم الراية إلى المهدي عجل الله فرجه الشريف، هذا هو معنى ثورة وحركة كربلاء، وبالنسبة لإنسان يعي ويرتبط بالحسين عليه السلام في كل تكوينه وثقافته هو تابع لثقافة كربلاء.
ذكرنا أن للثقافة حاكمية ومحكومية، في هذا الزمان نتعرض كثيرًا إلى مسألة وجوب أن نتعرف على ثقافات الأمم الآخرى وننفتح عليها ونكتسب منها، هذا كله صحيح بشرط أن تكون ثقافة كربلاء هي الحاكمة والمهيمنة فتطرد ما تشاء وتقبل ما تشاء، وذلك إذا حققنا في أنفسنا الثقافة الحسينية ، للإنسان أن تتسع معارفه ويبحث عن معارف جديدة ليكتسبها مستفيدًا من جهود الأمم الأخرى في سائر أنحاء المعرفة، لكن بشرط أن تكون ثقافة الحسين عليه السلام صلبة قوية راسخة في نفسه وتهيمن على معارفه ومكتسباته فتصبح هي الثقافة المحورية في تكوينه وسائر الثقافات والمكاسب العلمية والمعرفية تابعة ومنسجمة مع هذه الثقافة.
نسأل الله بحق الحسين وجده المصطفى وأبيه علي المرتضى ان يصلي على محمد وال بيته وأن يجعلنا من المخلصين المحبين والحمد لله رب العالمين.
(1) موسوعة شهادة المعصومين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) - ج 2 - الصفحة 183
(2)كامل الزيارات - الصفحة 144
(3) تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 - الصفحة 318
(4) الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - الصفحة 92
(5) مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 - الصفحة 249